خليل الصفدي

25

أعيان العصر وأعوان النصر

وقلّ أن يمر يوم خدمة وما رأيته قد لبس فيه تشريفا ، إمّا من جهة السلطان ، أو من جهة الدّوار ، أو من جهة أولاد السلطان ، أو من جهة بنات السلطان ، أو من جهة أمراء الدولة الكبار ، أو من جهة خاصية السلطان ، وهذا أمر زائد عن الحد ، هذا إلى ما له من المعلوم الوافر ، وأنواع الرواتب ، وكل من يزكى في الطب بالشام ومصر ، وما له من الأملاك والمتاجر ، ولعل هذا لم يتفق لغيره ، لا في المدة ، ولا في المادة ، ومع ذلك فكان مقتصدا في نفقته على نفسه وعلى عياله ، فما كان في مصر إلا قارون هذا القرن ، وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ [ الزخرف : 32 ] . 11 - إبراهيم بن أحمد بن محمد بن سليمان « 1 » القاضي أمين الدين ابن القاضي شهاب الدين بن غانم . كاتب الإنشاء بدمشق ، وهو من بيت رياسة وكتابة إنشاء ، وسيأتي ذكر جماعة من أهل بيته ، في هذا التاريخ لكل واحد منهم في مكانه . كان هذا أمين الدين ينظم البيتين والثلاثة ، ويجيد في بعضها لما له في البلاغة من الوراثة ، ويندر له النصف والبيت ، ويطرب به الحي والميت ؛ لأنه كانت قريحته نظامية ، وموادّه من العلم ما خالطت لحمه ولا عظامه ، وكانت تقع له في أثناء المحاورات ألفاظ على طريق الاتباع ، يخلص من خصومه فيها بالباع والذراع ، وكان خفيف الروح لدى المجالس ، يخلط جدّ الملائك بمجون الأبالس ، وله على بلوغ مآربه قدرة وتمكن ، وفي التوصل إلى مقاصده ذلة وتمسكن ، قد جبل اللّه على ذلك طباعه ، وألف الناسخ في ذلك لطفه وانطباعه ، ولم يزل على حاله إلى أن خانت الأمين منيّته ، ووارت قامته حنيّته . وتوفى - رحمه اللّه تعالى - في بكرة الاثنين الثالث من جمادى الآخرة سنة إحدى وستين وسبعمائة ، جوار باب الفرج بدمشق ، ودفن بالصالحية من يومه . ومولده تقريبا في سنة سبع وتسعين وستمائة . دخل إلى ديوان الإنشاء بدمشق سنة تسع وعشرين وسبعمائة ، وكان والده في مدة مقامه بالديار المصرية عند القاضي فخر الدين ناظر الجيش يطلبه ، فيتوجّه في كل سنة إلى زيارة والده ، ويعود على البريد بعناية القاضي فخر الدين ، وكان فيه كيس ودعابة ، وعنده

--> ( 1 ) انظر : الدرر الكامنة : 1 / 13 .